أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
218
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أي : بمجلوّ ، ومنه استعير ذلك في وصف الحبل بالملاسة والبريق . قال رؤبة يصف فرسا : 1452 - شديد جلز الصّلب ممحوص السّوى « 1 » والسّواء : الظهر ، قصره ضرورة ، سمع : « فعلته حتى انقطع سواي » أي ظهري . وقد تقدّمت مادة « محق » في البقرة « 2 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 142 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا : في « أم » هذه أوجه أظهرها : أنها منقطعة مقدّرة ب « بل » وهمزة الاستفهام ، ويكون معناه الإنكار . وقيل : « أم » بمعنى الهمزة وحدها ، ومعناه كما تقدّم : التوبيخ والإنكار ، وقيل : هذا استفهام معناه النهي قاله أبو مسلم الأصفهاني . وقيل : هي متصلة . قال ابن بحر : « هي عديلة همزة تتقدّر من معنى ما تقدّم ، وذلك أنّ قوله : « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ » « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها » إلى آخر القصة يقتضي أن يتبع ذلك : أتعلمون أنّ التكليف يوجب ذلك أم حسبتم . و « حسب » هنا على بابها من ترجيح أحد الطرفين . و « أَنْ تَدْخُلُوا » سادّ مسدّ المفعولين على رأي سيبويه ومسدّ الأول ، والثاني محذوف على رأي الأخفش قوله : وَلَمَّا يَعْلَمِ جملة حالية . وقال الزمخشري : « ولمّا بمعنى « لم » إلّا أنّ فيه ضربا من التوقع ، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل . وتقول : « وعدني أن يفعل كذا ولمّا » تريد : ولم يفعل وأنا أتوقع فعله » . قال الشيخ : « وهذا الذي قاله في « لَمَّا » : أنها تدلّ على توقّع الفعل المنفيّ بها فيما يستقبل لا أعلم أحدا من النحويين ذكره ، بل ذكروا أنك إذا قلت : « لمّا يخرج زيد » دلّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلا نفيه إلى وقت الإخبار ، أمّا أنّها تدلّ على توقّعه في المستقبل فلا ، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئا يقارب ما قاله الزمخشري ، قال : « لَمَّا » لتعريض الوجود بخلاف « لم » . قلت : « والنّحويون إنما فرّقوا بينهما من جهة أنّ المنفيّ ب « لم » هو فعل غير مقرون ب « قد » ولمّا » نفي له مقرونا بها ، وقد تدلّ على التوقع ، فيكون كلام الزمخشري صحيحا من هذه الجهة ويدلّ على ما قلته من كون « لم » لنفي فعل ، و « لمّا » لنفي قد فعل نصّ النحاة على ذلك : سيبويه « 3 » فمن دونه . وقد تقدم نظير هذه الآية في البقرة « 4 » وتحقيق القول فيها بما يغني عن إعادته فعليك بالالتفات إليه . وقوله : مِنْكُمْ حال من الَّذِينَ . وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين . وقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها . وفيها وجهان : أحدهما : أنّ الفتحة فتحة اتباع ، أتبع الميم اللام قبلها . والثاني : أنه على إرادة النون الخفيفة ، والأصل : « ولمّا يعلمن » والمنفيّ ب لمّا قد جاء مؤكدا بها كقوله : 1453 - يحسبه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيّه معمّما « 5 »
--> ( 1 ) انظر اللسان ( محص ) . ( 2 ) انظر آية ( 276 ) من سورة البقرة . ( 3 ) انظر الكتاب 1 / 460 . ( 4 ) انظر الآية رقم 214 . ( 5 ) البيت لأبي حبان القعفسي ونسب لمساور العبسي ونسب للعجاج انظر البيت في ديوانه ابن يعيش 9 / 42 ، الإنصاف ،